أبو الليث السمرقندي

4

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

إلى ثلاث سنين على تسع ذود . فرجع أبو بكر إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وأخبره بالأمر ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « انطلق فزده في الخطر ، ومدّه في الأجل » فرجع أبو بكر إلى أبيّ بن خلف ، فقال : أنا أبايعك إلى سبع سنين على عشرة ذود ، فبايعه فلما خشي أبيّ بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة إلى المدينة مهاجرا أتاه فلزمه ، فكفل له عبد الرحمن بن أبي بكر . فلما أراد أبي بن خلف أن يخرج إلى أحد أتاه محمد بن أبي بكر ، فلزمه ، فأعطاه كفيلا ، ثم خرج إلى أحد فظهرت الرّوم على فارس عام الحديبية ، وذلك عند رأس سبع سنين ، فذلك قوله : وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ . وروى أسباط ، عن السدي ، عن أصحابه ، قال : اقتتلت فارس والروم ، فغلبتهم فارس ، ففخر أبو سفيان بن حرب على المسلمين ، وقال : الذين ليس لهم كتاب غلبوا على الذين لهم كتاب ، فشقّ ذلك على المسلمين ، فلقي أبو بكر رضي اللّه عنه أبا سفيان ، فقامره على ثلاثة أبكار على أنّ الروم ستغلب فارس إلى ثلاث سنين ، ثم أتى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فأخبره ، فقال له : « انطلق فزد في الجعل ، وزد في السّنين » . فزايده إلى سبع سنين على سبعة أبكار . فالتقى الروم وفارس ، فغلبتهم الروم ، وظهر عليهم هرقل ، فجاءه جبريل - عليه السلام - بهزيمة فارس ، وظهور الرّوم عليهم ، ووافق ذلك يوم بدر وظهور النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم على المشركين ، ففرح المؤمنون بظهورهم على المشركين ، وظهور أهل الكتاب على أهل الشرك . ويقال إن أهل الروم كانوا أهل كتاب ، وكان المسلمون يرجون إسلامهم ، وأهل فارس كانوا مجوسا ، فكان المسلمون لا يرجون إسلامهم ، وكانوا يحزنون لغلبة فارس عليهم فنزل ألم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ أي أقرب الأرض إلى أرض فارس وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ روي عن الفراء أنه قال : يعني من بعد غلبتهم ، ولكن عند الإضافة سقطت الهاء ، كما قال : وَأَقامَ الصَّلاةَ * [ الأنبياء : 73 ] ولم يقل : وإقامة الصلاة . وقال الزجاج : هذا غلط ، وإنا يجوز ذلك في المعتلّ خاصة . والغلب والغلبة كلاهما مصدر . و سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ يعني إلى خمس سنين ، ويقال : إلى سبع سنين . روي عن أبي عبيدة أنه قال : البضع من واحد إلى أربعة . وقال القتبي : البضع ما فوق الثلاثة إلى دون العشرة . وقال مجاهد : البضع ما بين الثلاث إلى التسع ، ويقال مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ وهذا اللفظ يكون للغالبين وللمغلوبين كقولهم من بعد قتلهم . ثم قال عز وجل : لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ يعني للّه الأمر حين غلبت الروم فارس وَمِنْ بَعْدُ يعني حين غلبت الروم فارس . ولفظ القبل والبعد إذا كان في آخر الكلام يكون رفعا على معنى الإضافة للغاية ، ولو كان إضافة إلى شيء يكون خفضا ، كقولك : من بعدهم ومن قبلهم .